عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

351

اللباب في علوم الكتاب

قلنا : لو كان كذلك ، لم يجز أن يعجب اللّه رسوله منه إذ الصّبيّ لا يتعجّب من شكّه في مثل ذلك ، وضعّفوا هذه الحجة ؛ بأن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشّكّ في قدرة اللّه تعالى ، بل يحتمل أن يكون بسبب اطّراد العادات في أنّ مثل ذلك الموضع الخراب قلّما يصيّره اللّه معمورا ، كما أنّ الواحد إذا رأى جبلا ، فيقول : متى يقلب اللّه هذا ذهبا ، أو ياقوتا ؟ لا أن مراده الشّكّ في قدرة اللّه ، بل إنّ ذلك لا يقع في مطرد العادات ، فكذا هاهنا . الحجة الثانية : قوله تعالى في حقه : « فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ » وهذا يدلّ على أنه قبل ذلك لم يحصل له التبين ، وضعّف ذلك بأن تبيّن الإحياء على سبيل المشاهدة ، ما كان حاصلا له قبل ذلك ، وأمّا التبين على سبيل الاستدلال فلا يسلم أنه لم يكن حاصلا له . الحجة الثالثة : قوله : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » وهذا يدلّ على أنّ هذا العلم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وهذا أيضا ضعيف ؛ لأن تلك المشاهدة أفادت نوع توكيد ، وطمأنينة ، وذلك إنما حصل في ذلك الوقت ، وهذا لا يدلّ على أنّ أصل العلم ما كان موجودا قبل ذلك . الحجة الرابعة : انتظامه مع النمروذ في سلك واحد ، وهذا - أيضا - ضعيف ؛ لأنه وإن كان قبله قصّة النمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - فوجب أن يكون نبيا من جنس إبراهيم . واحتج من قال إنه كان مؤمنا بوجوه : منها قوله تعالى « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » وهذا يدلّ على أنّه كان عالما بعد موتها باللّه تعالى وبأنّه يصحّ منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء ، إنما يصحّ إذا حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة ، فأما من يعتقد أنّ القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة . ومنها مخاطبة اللّه تعالى له بقوله « كَمْ لَبِثْتَ » وبقوله « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » ، وبقوله : « فانظر إلى طعامك وشرابك وانظر إلى حمارك » ، وبقوله : « وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » ، وبقوله « وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً » وهذه المخاطبات لا تليق بالكافر ، قال تعالى : « وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ » ، فجعله آية للناس ، دليل على مزيد التشريف . ومنها ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير ، ومنهم العزير وكان من علمائهم ، فجاء بهم إلى « بابل » فدخل عزير يوما تلك القرية ونزل تحت ظلّ شجرة ، وهو على حمار ، فربط حماره ، وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا ، فعجب من ذلك ، وقال « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » لا على سبيل الشّكّ في القدرة ، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة ، وكانت الأشجار مثمرة ، فتناول من الفاكهة التين والعنب ، وشرب من عصير العنب ، ونام فأماته اللّه في منامه مائة عام